ساسي سالم الحاج

67

نقد الخطاب الاستشراقي

ويرى رودنسون أن النبي عاش مستور الحال في هذه الفترة من حياته ، لا يحمل هموما مادية ، ولا يزال يمارس بعض الأعمال التجارية ، ونال احترام وتقدير نظرائه ، وتزوّجت بناته زواجا محترما . فهذه رقيّة وأم كلثوم تزوجتا ابني عمّهما « أبي لهب » وهذه زينب تزوجت أبا العاص . ويشير رودنسون إلى قصة إعادة بناء الكعبة واختلاف قبائل قريش على من يضع . الحجر الأسود في مكانه وقد بلغ اختلافهم إلى حدّ امتشاق السلاح ، وتدخّل محمد الذي سوّى الموضوع بطريقة لبقة ، ويصفها بأنها قصة مخترعة وضعت لأسباب دينية تبريرية « 1 » Apologetique . وقيل : إن عمره كان خمسا وثلاثين سنة حينما حصلت هذه الواقعة وكان يلقّب بالصادق الأمين ، وينال احترام الجميع وتقديرهم ، ويحيا حياة مادية ميسّرة هادئة ولكنه لم يكن راضيا عن هذه الحياة في أعماق ضميره . لقد انتاب محمدا قلق شديد إبّان هذه الفترة من حياته ، وأخذ يبحث عن أشياء وأمور جديدة . ويقول رودنسون : إننا نجهل أعماق نفسيته بتفاصيلها في هذه المرحلة من حياته ، ولكن نظرا لما قدمه لنا « فرويد » من تحليل نفسي مبني على الاتجاهات الإنسانية فإننا نستطيع تقديم الافتراضات النفسية التالية « 2 » . وهنا يحاول رودنسون التحول من التفسير المادي للسيرة النبوية إلى التحليل النفسي لها طبقا لنظرية فرويد بالخصوص . « إن الانطباع الذي يؤخذ على محمد بصورة عامة هو إنسان عاقل ، متزن رزين ، وقد كان طوال حياته يفكر مليّا قبل اتخاذ أي قرار ، وكان يمارس نشاطه الخاص والعام بطريقة لبقة محسوبة . فهو يعرف متى يجب الانتظار ، ومتى يجب الإقدام ، متى تجب العودة إلى الوراء ، وكان يتخذ جميع الإجراءات الضرورية اللازمة لإنجاح مشاريعه . وكان يتمتع بالشجاعة المادية والمعنوية ولكنه أكثر من ذلك كان دبلوماسيا من الطراز الأول فكان يفكر بعقل ومنطق وكياسة . ومع ذلك فإن خلف هذه المظاهر تختفي خصاله المتسمة بالعصبية ، والقلق ، والرغبة المحمومة لتحقيق أي شيء مهما كان مستحيلا وأحيانا تقوده طبيعته هذه إلى أزمات عصبية ذات طابع باثولوجي » « 3 » .

--> ( 1 ) . Ibid , op . cit , p . 76 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 77 . ( 3 ) Ibid , op . cit , p . 79 .